هل الكتابة اعتراف
هل الكتابة اعتراف
*** مشكلة مكررة .. هل نكتب و نعترف بكل شيء لكي نتحرر إلي الأفضل؟
يختلس بعضنا وقت هادئ و مكان منعزل وقلم و دفتر، و يبوح و يسرد و يتعري بضعفه و يعلن عن حقيقته هروبا من الزيف الذي يعيشه مع الناس، هنا فقط يرى مكامن القوة في نفسه، و في مشوار حياته الذي تجاوز فيه ألم و صعوبات.
حينما يكتب أى شخص عن ذاته، و يعترف بحقائق و تجارب ماضية تسلط الضوء على رؤية كاملة لحياته،
مهما فيها من ظلم و عناء و تعب، و تحول مسارها إلي انجازات و نجاحات، ثم وعي بقدرات و امكانيات و فخر، بتخطي صعوباتها و تحدياتها، فإنها تزرع ثقة وتقدير للنفس.
جمعت بعض من اعترفوا بكتاباتهم، و ذلك يتضح فيما تقوله لطفية الزيات: كتابة المرأة لذاتها لا يعني أنها مجرد كتابة اجترارية للذات المنفصلة عن الخارج، بل تصبح مطلبًا ثقافيًّا.
لكنها تكشف لنا عما هو أبعد من (ذات) الكتابة و(أناها): إنها ستدفع المرأة عن سواها، ما يجب أن يقدموه، فتصبح أناها (وذاتها) معبرًا إلى (ذات) جماعية، وتغدو سيرتها سيرة جماعية، تشهد على مجمل العلاقات في لحظة تاريخية ما”.
هذا الدمج بين الأنا الفردية والذات الجمعية نراه في لحظات تأمّل لطيفة الزيات لهذه الذات الفردية التي تسعى لأن تندمج مع ذات الوطن.
كما تقول الدكتورة لطيفة الزيات حيث ترى “أننا لا نتوصل إلى ذواتنا الحقيقية إلا إذا ذابت الذات بداية في شيء ما خارج عن حدود هذه الأنا الضيقة”، لدرجة أنها ترى أننا “نفقد هذه الذات الحقّة، إذا أصبحنا محبوسين في قفص، متحلقين حول الأنا، حين نغرق في بحر من التفاهات، وفي دوائر أبدية خبيثة تستحيل إلى قدرنا ونهايتنا. ونحن إذ ذاك نفقد ذواتنا لا بمعنى استعاري، بل فعلاً وواقعًا وشخصياتنا تعاني متغيرات مروّعة إلى حد لا نصبح معه بعد ذلك أنفسنا”.
كذلك تعترف ليلى العثمان الكاتبة الكويتية بقسوة الوالد عليها. وأنها عانت بسبب حجره لها ومنعها من الكتابة حتى مع زواجها. فتقول: “كنت طفلة غير محبوبة بغير ذنب و(عندي) موهبة يريدون موتها.. عانيت قسوة الأب وقسوة الأم”. وإن كان هذا الأسى الذي عاشته هو الذي خلق منها الكاتبة فعلى حد قولها: “الألم يُساعد على الإبداع″.
و كذلك من الإعترافات الصادمة التي كتبها الدكتور جلال أمين في سيرته “ماذا علمتني الحياة؟” دار الشروق عام 2007، التي أصابت الكثيرين بالصدمة، ثم أتبعها بـ“رحيق العمر” 2010، وصولا إلى الجزء الثالث ”المكتوب على الجبين: حكايات على هامش السيرة الذاتية” 2015.
الرجل لم يكتف بسرد خصوصياته الشخصية، وإنما تحدث باستفاضة عن عائلته. فتطرق وهو في حالة بوحه إلى علاقة أبيه بأمه، وحبّ أمه القديم. كما أنه لم يتوان عن هتك أسرار العائلة، وفق أقوال المعترضين على ما جاء في السيرة.
ومن الأشياء المثيرة أنه يسرد عن جمع أمه للمال، وكيف أنها كانت تقتطع من مصروف البيت حتى توفر ثمن البيت الذي تريد أن تشتريه. وتارة ثانية يعترف ببخل أمه القح حتى “كان حصول أحد منا على بضعة قروش من أمي أشبه بمحاولة استخراج الماء من الصخر”.
لكن ذروة الاعترافات تأتي من كشفه عن قصة حبّ أمه لابن خالها، ورفض ولي أمرها لهذا العاشق، وهو ما اضطرها إلى الهروب إلى القاهرة ولجأت إلى أحد أقربائها، الذي رحب بها، واستقبلها في بيته. ومع زواجها من الدكتور أحمد أمين إلا أن حبها لابن خالها لم تنطفئ جذوته. فكانت تذكر حكايتها معه لابنها، بل تأثرت أيما تأثّر عند استشهاد ابن الخال، في حرب 1956، وذهبت للعزاء، وكانت متأثرة لرحيله.
ويحلّل أمين هذه العلاقة وينتهي إلى أن وفاة أمه جاءت بعد وفاة ابن خالها بأسابيع، فقد حزنت عليه حزنا عميقا لعدة أيام قبل أن تمرض هذا المرض الذي أودى بحياتها.
و قد يكون سبب سرد تلك الخصوصيات بأيمانه بكلمات قالها الكاتب محمد شكري:
قل كلمتك قبل أن تموت، فإنها ستعَرِفُ حتمًا، طريقها. لا يهم ما ستؤول إليه، الأهم هو أن تشعل عاطفة أو حزنًا أو نزوة… أن تشعل لهيبًا في المناطق الموات”.
إن من يرغب في كتابة و نشر اعترافاته لا يريد شفقة او احسان من غيره، إنما هو اعتراف منه بتصالحه مع الماضي و تجريده عن نفسه، و كذلك إيجاد صيغ للتعبير عن تمرده بكتابتها في سيرة ذاتية أو مذكرات، أو متلبسة بشخصيات روائية، ثم التسامح مع الذين لم يفهموه و من لم يتعاطفوا معه.
كل واحد أن يعي فكرة أن الجميع عانى مثله، و تجرع نفس آلامه، فهذة المعاناة المشتركة و الألم الذي يتقاسمه البشر باختلاف أحوالهم، فالمصير واحد، فيرحم كل منا ضعف الآخر.
بقلم: نرمين عبدالعزيز
#nermeenabdelaziz
المصادر : بحث قام به الصحفي ممدوح فراج عن أدب الاعتراف.
*** مشكلة مكررة .. هل نكتب و نعترف بكل شيء لكي نتحرر إلي الأفضل؟
يختلس بعضنا وقت هادئ و مكان منعزل وقلم و دفتر، و يبوح و يسرد و يتعري بضعفه و يعلن عن حقيقته هروبا من الزيف الذي يعيشه مع الناس، هنا فقط يرى مكامن القوة في نفسه، و في مشوار حياته الذي تجاوز فيه ألم و صعوبات.
حينما يكتب أى شخص عن ذاته، و يعترف بحقائق و تجارب ماضية تسلط الضوء على رؤية كاملة لحياته،
مهما فيها من ظلم و عناء و تعب، و تحول مسارها إلي انجازات و نجاحات، ثم وعي بقدرات و امكانيات و فخر، بتخطي صعوباتها و تحدياتها، فإنها تزرع ثقة وتقدير للنفس.
جمعت بعض من اعترفوا بكتاباتهم، و ذلك يتضح فيما تقوله لطفية الزيات: كتابة المرأة لذاتها لا يعني أنها مجرد كتابة اجترارية للذات المنفصلة عن الخارج، بل تصبح مطلبًا ثقافيًّا.
لكنها تكشف لنا عما هو أبعد من (ذات) الكتابة و(أناها): إنها ستدفع المرأة عن سواها، ما يجب أن يقدموه، فتصبح أناها (وذاتها) معبرًا إلى (ذات) جماعية، وتغدو سيرتها سيرة جماعية، تشهد على مجمل العلاقات في لحظة تاريخية ما”.
هذا الدمج بين الأنا الفردية والذات الجمعية نراه في لحظات تأمّل لطيفة الزيات لهذه الذات الفردية التي تسعى لأن تندمج مع ذات الوطن.
كما تقول الدكتورة لطيفة الزيات حيث ترى “أننا لا نتوصل إلى ذواتنا الحقيقية إلا إذا ذابت الذات بداية في شيء ما خارج عن حدود هذه الأنا الضيقة”، لدرجة أنها ترى أننا “نفقد هذه الذات الحقّة، إذا أصبحنا محبوسين في قفص، متحلقين حول الأنا، حين نغرق في بحر من التفاهات، وفي دوائر أبدية خبيثة تستحيل إلى قدرنا ونهايتنا. ونحن إذ ذاك نفقد ذواتنا لا بمعنى استعاري، بل فعلاً وواقعًا وشخصياتنا تعاني متغيرات مروّعة إلى حد لا نصبح معه بعد ذلك أنفسنا”.
كذلك تعترف ليلى العثمان الكاتبة الكويتية بقسوة الوالد عليها. وأنها عانت بسبب حجره لها ومنعها من الكتابة حتى مع زواجها. فتقول: “كنت طفلة غير محبوبة بغير ذنب و(عندي) موهبة يريدون موتها.. عانيت قسوة الأب وقسوة الأم”. وإن كان هذا الأسى الذي عاشته هو الذي خلق منها الكاتبة فعلى حد قولها: “الألم يُساعد على الإبداع″.
و كذلك من الإعترافات الصادمة التي كتبها الدكتور جلال أمين في سيرته “ماذا علمتني الحياة؟” دار الشروق عام 2007، التي أصابت الكثيرين بالصدمة، ثم أتبعها بـ“رحيق العمر” 2010، وصولا إلى الجزء الثالث ”المكتوب على الجبين: حكايات على هامش السيرة الذاتية” 2015.
الرجل لم يكتف بسرد خصوصياته الشخصية، وإنما تحدث باستفاضة عن عائلته. فتطرق وهو في حالة بوحه إلى علاقة أبيه بأمه، وحبّ أمه القديم. كما أنه لم يتوان عن هتك أسرار العائلة، وفق أقوال المعترضين على ما جاء في السيرة.
ومن الأشياء المثيرة أنه يسرد عن جمع أمه للمال، وكيف أنها كانت تقتطع من مصروف البيت حتى توفر ثمن البيت الذي تريد أن تشتريه. وتارة ثانية يعترف ببخل أمه القح حتى “كان حصول أحد منا على بضعة قروش من أمي أشبه بمحاولة استخراج الماء من الصخر”.
لكن ذروة الاعترافات تأتي من كشفه عن قصة حبّ أمه لابن خالها، ورفض ولي أمرها لهذا العاشق، وهو ما اضطرها إلى الهروب إلى القاهرة ولجأت إلى أحد أقربائها، الذي رحب بها، واستقبلها في بيته. ومع زواجها من الدكتور أحمد أمين إلا أن حبها لابن خالها لم تنطفئ جذوته. فكانت تذكر حكايتها معه لابنها، بل تأثرت أيما تأثّر عند استشهاد ابن الخال، في حرب 1956، وذهبت للعزاء، وكانت متأثرة لرحيله.
ويحلّل أمين هذه العلاقة وينتهي إلى أن وفاة أمه جاءت بعد وفاة ابن خالها بأسابيع، فقد حزنت عليه حزنا عميقا لعدة أيام قبل أن تمرض هذا المرض الذي أودى بحياتها.
و قد يكون سبب سرد تلك الخصوصيات بأيمانه بكلمات قالها الكاتب محمد شكري:
قل كلمتك قبل أن تموت، فإنها ستعَرِفُ حتمًا، طريقها. لا يهم ما ستؤول إليه، الأهم هو أن تشعل عاطفة أو حزنًا أو نزوة… أن تشعل لهيبًا في المناطق الموات”.
إن من يرغب في كتابة و نشر اعترافاته لا يريد شفقة او احسان من غيره، إنما هو اعتراف منه بتصالحه مع الماضي و تجريده عن نفسه، و كذلك إيجاد صيغ للتعبير عن تمرده بكتابتها في سيرة ذاتية أو مذكرات، أو متلبسة بشخصيات روائية، ثم التسامح مع الذين لم يفهموه و من لم يتعاطفوا معه.
كل واحد أن يعي فكرة أن الجميع عانى مثله، و تجرع نفس آلامه، فهذة المعاناة المشتركة و الألم الذي يتقاسمه البشر باختلاف أحوالهم، فالمصير واحد، فيرحم كل منا ضعف الآخر.
بقلم: نرمين عبدالعزيز
#nermeenabdelaziz
المصادر : بحث قام به الصحفي ممدوح فراج عن أدب الاعتراف.
تعليقات
إرسال تعليق